صديق الحسيني القنوجي البخاري
115
فتح البيان في مقاصد القرآن
يجيب عليهم فقال : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا أي منفعتها والاستمتاع بها قَلِيلٌ سريع الفناء زائل لا يدوم لصاحبه آيل إلى الفناء وَالْآخِرَةُ أي ثواها خَيْرٌ من المتاع القليل لِمَنِ اتَّقى الشرك والمعصية منكم ورغب في الثواب الدائم وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي قدر قشرة يعني شيئا حقيرا يسيرا وقد تقدم تفسير الفتيل قريبا . وإذا كنتم توفّون أجوركم ولا تنقصون شيئا منها فكيف ترغبون عن ذلك ، وتشتغلون بمتاع الدنيا مع قلته وانقطاعه ؟ . أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : يا نبي اللّه كنّا في عزّة ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة فقال : إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم ، فلما حوّله اللّه إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا فأنزل اللّه هذه الآية وعن قتادة نحوه . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 78 إلى 79 ] أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ( 78 ) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 79 ) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ كلام مبتدأ مسوق من قبله تعالى بطريق تلوين الخطاب وصرف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المخاطبين اعتناء بإلزامهم إثر بيان حقارة الدنيا وعلو شأن الآخرة ، وفيه حث لمن قعد عن القتال خشية الموت ، وبيان لفساد ما خالطه من الجبن وخامره من الخشية ، فإن الموت إذا كان كائنا لا محالة ، فمن لم يمت بالسيف مات بغيره وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ جمع برج وهو البناء المرتفع مُشَيَّدَةٍ من شاد القصر إذا رفعه وطلاه بالشيد وهو الجص . وقد اختلف في هذه البروج ما هي فقيل الحصون والقلاع التي في الأرض وقيل هي القصور المحصنة الرفيعة ، قال الزجاج والقتبي : معنى مشيدة مطولة وقيل المراد بالبروج بروج في سماء الدنيا مبنية حكاه مكي عن مالك ، وقال : ألا ترى إلى قوله : وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ [ البروج : 1 ] و جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً [ الفرقان : 61 ] وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً [ الحجر : 16 ] وقيل إن المراد بالبروج المشيدة هنا قصور من حديد . وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هذا وما بعده مختص بالمنافقين أي إن تصبهم نعمة نسبوها إلى اللّه تعالى : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي بلية ونقمة يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أي نسبوها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فرد اللّه ذلك